سيد محمد طنطاوي

7

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقال الآلوسي : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير - رضى اللَّه عنهم - أنها نزلت بمكة . وروى ذلك عن قتادة ومجاهد . وفي مجمع البيان عن الحسن أنها مكية إلا قوله - تعالى - ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي والْقُرْآنَ الْعَظِيمَ وقوله - تعالى - كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ . الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ « 1 » . والحق أن السورة كلها مكية ، وسنبين - عند تفسيرنا للآيات التي قيل بأنها مدنية - أن هذا القول ليس له دليل يعتمد عليه . 4 - ( أ ) وعند ما نقرأ هذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل . نراها في مطلعها تشير إلى سمو مكانة القرآن الكريم ، وإلى سوء عاقبة الكافرين الذين عموا وصموا عن دعوة الحق . . قال - تعالى - الر ، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ . رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ . ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ . وما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ . ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ . ( ب ) ثم تخبرنا بعد ذلك بأن اللَّه - تعالى - قد تكفل بحفظ كتابه ، وصيانته من أي تحريف أو تبديل ، وبأن المكذبين للرسول صلى اللَّه عليه وسلم إنما يكذبونه عن عناد وجحود ، لا عن نقص في الأدلة الدالة على صدقه صلى اللَّه عليه وسلم . قال - تعالى - إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَه لَحافِظُونَ . ولَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ . وما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِه يَسْتَهْزِؤُنَ . كَذلِكَ نَسْلُكُه فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ . لا يُؤْمِنُونَ بِه وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ . ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيه يَعْرُجُونَ . لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ . ( ج ) ثم تسوق السورة الكريمة بعد ذلك ألوانا من الأدلة على وحدانية اللَّه وقدرته ، وعلى سابغ نعمه على عباده . . . قال - تعالى - ولَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ . وحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ . إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَه شِهابٌ مُبِينٌ . والأَرْضَ مَدَدْناها وأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ . ( د ) ثم حكت السورة قصة خلق آدم - عليه السلام - ، وتكليف الملائكة بالسجود له ، وامتثالهم جميعا لأمر اللَّه - سبحانه - ، وامتناع إبليس وحده عن الطاعة ، وصدور حكمه - سبحانه - بطرده من الجنة . . .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 14 ص 2 .